محمد بن جرير الطبري
55
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
هو مغن عن والده شيئا ، لأن الأمر يصير هنا لك بيد من لا يغالب ، ولا تنفع عنده الشفاعة والوسائل ، إلا وسيلة من صالح الأعمال التي أسلفها في الدنيا . وقوله : إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ يقول : اعلموا أن مجيء هذا اليوم حق ، وذلك أن الله قد وعد عباده ولا خلف لوعده فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا يقول : فلا تخدعنكم زينة الحياة الدنيا ولذاتها ، فتميلوا إليها ، وتدعوا الاستعداد لما فيه خلاصكم من عقاب الله ذلك اليوم . وقوله : وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ يقول : ولا يخدعنكم بالله خادع . والغرور بفتح الغين : هو ما غر الإنسان من شيء ، كائنا ما كان شيطانا كان أو إنسانا ، أو دنيا ؛ وأما الغرور بضم الغين : فهو مصدر من قول القائل : غررته غرورا . وبنحو الذي قلنا في معنى قوله وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله الْغَرُورُ قال : الشيطان . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ذاكم الشيطان . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد المروزي ، يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول ، في قوله الْغَرُورُ قال : الشيطان . وكان بعضهم يتأول الغرور بما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا ابن المبارك ، عن ابن لهيعة ، عن عطاء بن دينار ، عن سعيد بن جبير ، قوله : وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ قال : إن تعمل بالمعصية وتتمنى المغفرة . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ يقول تعالى ذكره : يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً هو آتيكم علم إتيانه إياكم عند ربكم ، لا يعلم أحد متى هو جائيكم ، لا يأتيكم إلا بغتة ، فاتقوه أن يفجأكم بغتة ، وأنتم على ضلالتكم لم تنيبوا منها ، فتصيروا من عذاب الله وعقابه إلى ما لا قبل لكم به ؛ وابتدأ تعالى ذكره الخبر عن علمه بمجيء الساعة . والمعنى : ما ذكرت لدلالة الكلام على المراد منه ، فقال : إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ التي تقوم فيها القيامة ، لا يعلم ذلك أحد غيره وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ من السماء ، لا يقدر على ذلك أحد غيره وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ أرحام الإناث وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً يقول : وما تعلم نفس حي ماذا تعمل في غد ، وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ يقول : وما تعلم نفس حي بأي أرض تكون منيتها إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ يقول : إن الذي يعلم ذلك كله ، هو الله دون كل أحد سواه ، إنه ذو علم بكل شيء ، لا يخفى عليه شيء ، خبير بما هو كائن ، وما قد كان . وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحرث ، قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ قال : جاء رجل قال قال أبو جعفر : أحسبه أنا ، قال إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن امرأتي حبلى ، فأخبرني ماذا تلد ؟ وبلادنا محل جدبة ، فأخبرني متى ينزل الغيث ؟ وقد علمت متى ولدت ، فأخبرني متى أموت ، فأنزل الله : إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ إلى آخر السورة ، قال : فكان مجاهد يقول : هن مفاتح الغيب التي قال الله وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ الآية ، أشياء من الغيب ، استأثر الله بهن ، فلم يطلع عليهن ملكا مقربا ، ولا نبيا مرسلا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ فلا يدري أحد من الناس متى